اسماعيل بن محمد القونوي
225
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( لا يخرج عن علمه وحكمته أمر ) أي أمر من الأمور ولوقوعه في سياق النكرة يكون عاما لجميع الأمور موجودة أو معدومة وحمل الحكيم على العلم والحكمة لاقتضاء المقام اعتبار العلم والحكمة الفعل الذي فيه مصلحة وعاقبة حميدة فالمراد الحكمة العلمية والعملية في النظم الكريم والحكمة العملية في كلام المصنف فلا إشكال بأنه يلزم تقسيم الشيء إلى نفسه وإلى غيره . قوله : ( والآية جواب لليهود سألوا رسول اللّه عليه السّلام ) وتمام الكلام في سورة الإسراء . قوله : ( أو أمروا وفد قريش أن يسألوه عن قوله : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] وقد أنزل التوراة وفيها علم كل شيء ) أو أمروا وفد قريش يعني إن كانت الآية مكية لكن الظاهر أنها مدنية لأنها مستثناة كما صرح به في أوائل السورة ولذا قدم الأول قوله وقد أنزل التوراة الخ وجوابه أن علم الإنسان بالإضافة إلى معلومات اللّه التي لا نهاية لها قليل وهو بالإضافة إلى الإنسان كثير . قوله تعالى : [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 28 ] ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 28 ) قوله : ( إلا كخلقها وبعثها إذ لا يشغله شأن عن شأن لأنه يكفي لوجود الكل تعلق إرادته الواجبة مع قدرته الذاتية كما قال : إنما أمرنا لشيء إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] يسمع كل مسموع يبصر كل مبصر ) إلا كخلقها وبعثها الخ أي المضاف محذوف إذ المراد تشبيه خلق جميع المخلوقات بخلق مخلوق واحد في عدم مس النصب وبالنسبة إلى القدرة الذاتية كما قال إذ لا يشغله الخ فيستوي عنده الواحد والكثير . حكمته ذلك المعاني والجواهر اللطيفة فيكون هذه الفاصلة كالتتميم لما سبق لأن بعض التعليل يجاء به للمبالغة والتأكيد ولذلك قالت الفقهاء تعليل الحكم يفيده تأكيدا . قوله : إلا كخلقها وبعثها إذ لا يشغله شأن عن شأن أي سواء في قدرته القليل والكثير والواحد والجمع لا يتفاوت عند قدرته الكاملة وعزته القاهرة والتفاوت بين الأمور الكثيرة العدد إنما يكون لو شغله شأن عن شأن وهو متعال عن ذلك قوله لا يشغله إدراك بعضها عن بعض فكذلك الخلق والبعث أي فكما أن المعلومات لا يشغله إدراك بعضها عن إدراك بعض كذلك المخلوقات لا يتفاوت فيما يراد منها من الإيجاد والإعدام فلا يشغله فعل عن فعل فشبه المقدورات فيما يراد منها بالمعلومات فيما يدرك منها والظاهر أن قوله : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [ لقمان : 28 ] تعليل لإثبات القدرة الكاملة بالعلم الواسع وإن شيئا من المقدرات لا يشغله فيما يراد منه عن الآخر عالم بتفاصيلها وجزئياتها يتصرف فيها كيف يشاء كما يقال فلان كامل في تلك الصنعة ماهر فيها لأنه عارف بدقائقها ومتمماتها والمقصود من إيراد الوصفين إثبات الحشر والنشر لأنهما عمدتان فيه ألا يرى كيف عقب ذلك بقوله : أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ [ لقمان : 29 ] إلى قوله : وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [ لقمان : 29 ] تقريرا له فدل بالأول على عظم قدرته وبالثاني على شمول علمه .